القرطبي
74
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : فنادته الملائكة وهو قايم يصلى في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ( 39 ) قوله تعالى : ( فنادته الملائكة ) قرأ حمزة والكسائي " فناداه " بالألف على التذكير ، ويميلانها لان أصلها الياء ، ولأنها رابعة . وبالألف قراءة ابن عباس وابن مسعود ، وهو اختيار أبي عبيد . وروي عن جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال : كان عبد الله يذكر الملائكة في [ كل ] ( 1 ) القرآن . قال أبو عبيد : نراه اختار ذلك خلافا على المشركين لأنهم قالوا : الملائكة بنات الله . قال النحاس : هذا احتجاج لا يحصل منه شئ ، لان العرب تقول : قالت الرجال ، وقال الرجال ، وكذا النساء ، وكيف يحتج عليهم بالقرآن ، ولو جاز أن يحتج عليهم بالقرآن بهذا لجاز أن يحتجوا بقوله تعالى : " وإذ قالت الملائكة " ولكن الحجة عليهم في قوله عز وجل : " أشهدوا خلقهم " [ الزخرف : 19 ] ( 2 ) أي فلم يشاهدوا ، فكيف يقولون إنهم إناث فقد علم أن هذا ظن وهوى . وأما " فناداه " فهو جائز على تذكير الجمع ، " ونادته " على تأنيث الجماعة . قال مكي : والملائكة ممن يعقل في التكسير فجرى في التأنيث مجرى ما لا يعقل ، تقول : هي الرجال ، وهي الجذوع ، وهي الجمال ، وقالت الاعراب . ويقوي ذلك قوله : " وإذ قالت الملائكة " وقد ذكر في موضع آخر فقال : " والملائكة باسطوا أيديهم " [ الانعام : 93 ] ( 3 ) وهذا إجماع . وقال تعالى : " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب " [ الرعد : 23 ] ( 4 ) فتأنيث هذا الجمع وتذكيره حسنان . وقال السدي : ناداه جبريل وحده ، وكذا في قراءة ابن مسعود . وفي التنزيل " ينزل الملائكة بالروح من أمره " ( 5 ) يعني جبريل ، والروح الوحي . وجائز في العربية أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع . وجاء في التنزيل " الذين قال لهم الناس " [ آل عمران : 173 ] ( 6 ) يعني نعيم بن مسعود ، على ما يأتي . وقيل : ناداه جميع الملائكة ، وهو الأظهر . أي جاء النداء من قبلهم .
--> ( 1 ) زيادة عن إعراب القرآن للنحاس . ( 2 ) راجع ج 16 ص 73 . ( 3 ) راجع ج 7 ص 39 . ( 4 ) راجع ج 9 ص 312 . ( 5 ) راجع ج 10 ص 67 . ( 6 ) راجع ص 279 من هذا الجزء .